الشيخ محمد آصف المحسني
232
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وثانيا : إنّه لا دليل على كون العلم بالأصلح هو الإرادة ، بل يمكن أن يكون العلم بالصالح إرادة فلا يثبت المقصود ، إلّا أن يقال : إن ختيار الكامل وترك الأكمل - مع إمكانه - شر ، وهو ممتنع على الواجب ، فتأمّل . فإن العلم بالأصلح وأن لم يكن إرادة ومؤثّرا ، لكن لا شك في أنّه مرجّح لإرادته وإحداثه ، فيتمّ به المطلوب . الرابع : إن اختيار غير الأكمل مع إمكانه نقص وهو عليه محال ، لكنه مزيّف بأن النقص في أفعاله هو عبارة أخرى عن القبح الممتنع عليه من جهة حكمته ، فيكون الاستدلال دوريا . الخامس : دلالة النقل عليه ، فقد وصف اللّه نفسه في كتابه بالحكيم ومن أصدق من الله قيلا « 1 » . وهكذا في السنة . قال الفاضل الطريحي في مجمع البحرين : المحكم في اللغة المضبوط المتقن . الحكمة العلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح مستعار من المحكمة : اللجام ، وهي ما أحاط بحنك الدابة ، يمنعها الخروج ، والحكمة فهم المعاني سميت حكمة لأنّها مانعة عن الجهل . ثم قال : ومن أسمائه : الحكيم والقاضي ، فالحكيم فعيل بمعنى فاعل ، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها ، فهو فعيل بمعنى مفعل ، أو ذو الحكمة وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم انتهى . أقول : المقطوع من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى : الذي أحسن كل شيء خلقه « 2 » وغيره هو حكمته بمعنى اتقان فعله ، وأمّا إنّه على أكمل انحائه الممكنة فلا ، فهذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني في المفاد . هذا ولكن المعنى الأول وإن ثبت شرعا لكنّه غير قابل للتعبّد ؛ إذ حجّية الشرع موقوفة على امتناع الكذب والقبح عليه تعالى ، وهذا الامتناع موقوف على حكمته وعدم الفساد في أفعاله ، نعم إذا ثبت عقلا إحكام أفعاله وإنّه لا يفعل القبيح والفاسد كما في الوجه الثاني - وهو المستفاد من الوجه الأول أيضا بالأولوية - أمكن التعبّد بأخباره بأنّه يصدر الأشياء عنه بأكمل محتملاتها الممكنة ، ولكنّه غير واقع ، فما يصحّ به التعبّد لم يثبت شرعا ثبوتا قطعيا ، وما لا يصلح التعبّد به فهو ثابت كذلك . فلا بدّ لنا من حمله على الإرشاد إلى حكم العقل بحكمته أو إثبات وجوده وغيره ، فتدبر جيدا . فالعمدة في المقام هو الوجهان الأولان ، أولهما برهان لمي ، وثانيهما دليل إني . والأول يدلّ على أنّ الصادر عنه يكون على نحو الأكمل ، بل وعلى لزوم صدور الأكمل عنه لزوما غير مناف
--> ( 1 ) النساء 4 / 122 . ( 2 ) السجدة 32 / 7 .